حسن الأمين
132
مستدركات أعيان الشيعة
ونصف المليون من الروبلات بفائدة خمسة بالمائة ، بشرط أن تكون عائدات الجمارك الإيرانية ، ما عدا جمارك الجنوب ، رهنا في يد الحكومة الروسية إلى مدة 75 عاما في مقابل هذا القرض . واستخدمت روسيا جماعة من البلجيكيين لإدارة جمارك إيران . وفي سنة 1318 هأنعم « مظفر الدين شاه » على « أمين السلطان » بلقب « الأتابك الأعظم » . وفي سنة 1320 ه ( 1902 م ) أراد « مظفر الدين شاه » أن يقوم بسفر آخر إلى أوروبا ، فاحتاج إلى قرض آخر فحصل له « أمين السلطان » على قرض من روسيا مقداره عشرة ملايين روبل بفائدة أربعة بالمائة . وإعطائها امتيازا بمد سكك الحديد في بعض الطرق من إيران . ومع أن « أمين السلطان انحاز كليا إلى الروس بعد فتنة امتياز التبغ والتنباك فقد كان يحاول التقرب إلى الإنكليز أيضا . من ذلك أنه هيا لهم امتياز نفط الجنوب سنة 1319 ه ( 1901 م ) في عهد » مظفر الدين شاه « إلى مدة ستين عاما بالمجان تقريبا . إلا أن ذلك لم ينفعه وظلوا على حذرهم منه لا يطمئنون إليه ويطلبون من » مظفر الدين شاه « عزله . وصدرت أيضا في هذه الأثناء فتوى بتكفيره من علماء النجف بسبب إهداره مصالح إيران للأجانب ، فلم يجد » مظفر الدين شاه « بدا من عزله فعزله سنة 1321 ه ، وعين أحد الموالين للانكليز في مكانه وهو » عبد المجيد ميرزا عين الدولة « أحد أحفاد » فتح علي شاه قاجار « . ولم يكن على شيء من مقدرة » أمين السلطان « ونفوذه . وأراد الإنكليز أن يرتاحوا كليا من شر « أمين السلطان » فحملوا الشاه على أن يوعز إليه بالسفر إلى خارج إيران ففعل . وسافر « أمين السلطان » إلى مكة للحج . ثم أقام في خارج إيران أربع سنوات تقريبا قضاها في السياحة في أوروبا والشرق الأقصى وأميركا . وفي 24 ذي القعدة سنة 1324 هخلف محمد علي شاه أباه « مظفر الدين شاه » على العرش . واقتضت مصلحته إحضار « أمين السلطان » إلى إيران . فعاد إليها ، بعد امتناع وأخذ ورد بينه وبين الشاه ، في 5 ربيع الأول سنة 1325 ه . عاد « أمين السلطان » إلى إيران من طريق روسيا . وفيها حمله الروس على سفينة حربية في بحر الخزر بين مظاهر الاحترام والتشريفات الرسمية الفائقة إلى مرفا « أنزلي » . فلما وطئ اليابسة أطلقت السفينة مدافعها تحية له والأعلام ترفرف عليها . ولما قارب طهران أرسل « محمد علي شاه » أحد رجال البلاط يستقبله . يقول هذا الرجل : لما رآني همس في أذني : لقد أحضرتموني لتقتلوني ! وقوبلت عودته إلى إيران بالسخط من الناس ، وظهرت منهم حركات تمرد . فتدخل السيد عبد الله البهبهاني فأصلح الأمور وهدأ الناس . وفي أواسط شهر ربيع الأول سنة 1325 هعين « أمين السلطان » رئيسا للوزارة ووزير دولة . وكانت أوضاع إيران يومئذ قد بلغت غاية بعيدة من الفساد والوهن . فبدأ بعمل ذكي ناشط للإمساك بزمام الأمور . وأثار خصومه ، من محليين وأجانب ، عليه الناس في مختلف الولايات . وكان أهم هذه الثورات ثورة « أبو الفتح ميرزا سالار الدولة » أحد أبناء « مظفر الدين شاه » . فقد خرج على أخيه « محمد علي شاه » يطالب بالعرش لنفسه . ولكن « أمين السلطان » أخمد هذه الثورة بعد ثلاثة أيام من قيامها وأوشك أن يعتقل الأمير الخارج لولا أنه لجا إلى القنصلية الإنكليزية في كرمانشاه . ثم أمنوه فاستسلم إلى حاكم كرمانشاه . وكان « محمد علي شاه » على نهج « أمين السلطان » في موالاة الروس . فلما عاد « أمين السلطان » إلى كرسي الحكم في عهده وأخذ يدير أمور المملكة بحنكته ودهائه وصبره واقتداره ويجمع أزمة الأمور في يده شيئا فشيئا علا شان السياسة الروسية ووقع الإنكليز في الحرج والخيبة . والظاهر أن هذا الأمر كان سببا في تقرير الإنكليز التخلص منه بقتله . واتفق أن توصل الإنكليز والروس في 31 آب سنة 1907 م الموافق 21 رجب سنة 1325 هإلى اتفاق بينهما على تقاسم النفوذ في إيران ، وإنهاء عهد التنافس على السيطرة على إيران بينهما . فقلت ، من ثم ، حاجة الروس إلى وجود أمثال « أمين السلطان » من الأنصار والعملاء في الحكم . وفي يوم السبت 21 رجب سنة 1325 ه ، أي في نفس اليوم الذي وقعت فيه روسيا وانكلترا على تلك المعاهدة ، حضر « أمين السلطان » جلسة لمجلس النواب ليبلغ المجلس مرسوما بتعيين وزير للحربية ووزير للعدلية . وبعد الجلسة عقد « أمين السلطان » وبعض النواب جلسة خاصة للمذاكرة في بعض الأمور . وطالت الجلسة إلى الساعة الثامنة والنصف مساء . وبعد انتهاء الجلسة توجه « أمين السلطان » ومعه « السيد عبد الله البهبهاني » ، وكان من أشد أنصاره ، إلى باب المجلس الخارجي للانصراف ، وفي أثناء الطريق دنا سيد من « السيد عبد الله البهبهاني » وناوله رسالة وطلب منه قراءتها ، فتوقف السيد عبد الله ليقرأ الرسالة وتابع « الأتابك » طريقه . وكانت العادة أن تقف عربة « الأتابك » في حذاء الباب . ولكنهم أوقفوها في هذه المرة بعيدا عنه . فوقف « الأتابك » عند باب المجلس ينتظر جلب العربة إليه . وكان رجل تبريزي اسمه « عباس آقا » يتعاطى مهنة الصرافة في طهران ، وقبلها كان صانع بنادق ، يكمن له قريبا بقصد اغتياله فتمكن في هذه المهلة من تسديد سلاحه تسديدا دقيقا إلى « الأتابك » وأطلق عليه ثلاث رصاصات فأصابته وخر صريعا . فبادر الحاضرون إليه ولفوه بعباءته وحملوه إلى منزله . وبعد نصف ساعة من وصوله توفي . ودفن في مدينة قم في مقبرة خاصة . أما القاتل ففر وتبعه جندي ورجل سيد ليقبضا عليه ، فقتل السيد وجرح الجندي . وحوصر القاتل فانتحر بإطلاق رصاصة في فمه . وقيل قتله الارهابي القفقاسي « حيدر عمو أوغلي » إذ كان هو المخطط والدافع إلى اغتيال « الأتابك » في رأي بعضهم . كان « علي أصغر خان أمين السلطان » شديد الحيوية خارق الذكاء قوي الذاكرة بعيد النظر متسامحا سخيا جذاب الشخصية جريئا . وكان إذا غضب لا يبالي بان يقول ما يحضره من بذاءة وجسارة وأن يوقع ما يخطر بباله من ظلم وقسوة ، سواء في ذلك عنده الكبير والصغير والأمير والوزير ، حتى الشاه نفسه ، فلا يجسر أحد على معارضته . رويت عنه بعض الوقائع شتم فيها « ناصر الدين شاه » ( في غيبته بالطبع ) شتما مقذعا بحضور بعض الكبار من رجال الدولة والبلاط . كان في أوقات العمل ينكب عليه بصورة متواصلة مدة خمس عشرة ساعة أو عشرين ساعة لا يلتفت إلى شيء غير العمل . فإذا انصرف إلى لهوه